فتنة الكلام في أمر الأمة الجامع بغير علم ولا كتاب مبين

2020-03-26T13:28:56+01:00
2020-03-26T13:29:00+01:00
غير محدد
26 مارس 2020
فتنة الكلام في أمر الأمة الجامع بغير علم ولا كتاب مبين
رابط مختصر

ميدلت بريس.نت- متابعة

بسم اله، الرحمن الرحيم

وبعد، فإن الذي يؤلم كثيرا ـ في هذه الزمن الذي فتح فيه باب الكلام في مختلف الموضوعات بلا شرط ولا قيد ولا خشية عاقبة ـ ، جسارة بعض  الناس للبث في شأن الأمن والخوف المتعلق بالنظام العام دون امتلاك أسباب ذلك التي ترجع أصالة إلى معرفة فن البيان، وإدراك مصادر النص والوعي بطرق إثباته والفهم العميق لكيفية تنزيله والتبصر لإمكان وجود معارضه ،ولحاظ آثار القول به على أمن الأمة وخوفها المؤسس على ثوابتها الدينية واختياراتها الفقهية المؤصلة.

إن من علامات فقه المتكلم في الدين استبصار ما ينبغي أن يراعى من الكليات المستفادة من النصوص المحكمات التي تقضي على المتشابهات وصنوف الأخبار المتناقلة في مساق الروايات، التي جاءت آحادا لا يبُلغ بها       أحيانا       اليقين       المطلوب   في    الاعتقادات       ومسائل     العباداتوالمعاملات التي لها اابع التعميم.

ومن أمثلة ذلك في واقعنا هذه الأيام تجرؤ بعضهم على إنكارالحجر الصحي على عموم المواانين وتقنين تطلب المعاش على الراغبين الذي اقتضاه ضرورة هذا الطاعون الجارف المصطلح عليه بكورونا كوفيد 19، الذي  لم تكد تخلو منه أرض في هذا العالم الفسيح ،الذي ظهر عجزه إلى الآن عن دفع عدواه المؤلمة المتيقنة المترتبة عادة على اختلاط الناس بمن يحتمل أن يكونوا مصابين  أو عن الاحتكاك بهم ظنا أنهم من المبتلين.

ومن أمثلته أيضا استهجان آخرين إغلاق المساجد في وجه المصلين، وتعطيل وظائفها إلى حين،  حفظا لأرواحهم ودفعا لخوفهم وتحقيقا لأمنهم وسكينتهم؛ لأن ذلك في زعمهم  مخالف  لواجب تعظيم شعائر الدين وتخريب لبيوت اله، المعدة للمتقربين ومباين لما يوجبه أصل حفظ شعائر أهل اليقين.

 لذلك خااروا بدعوة الناس إلى التمرد على قرارات حكومتهم وغامروا بالطعن في فتوى مشيختهم  وشذوا بالخروج على إجماع بني قومهم الذي اقتضاه منهم الالتزام بشرط البيعة الشرعيةالقاضية بالحفاظ على أرواحهم وأمنهم وسكينتهم ،والملزمة بالتقيدببنود الطاعة الواجبة في حقهم نحو أميرهم.

والذي حملهم على ذلك عدم استبصارهم ما ورد في صحيح الأثر عن النبي صلى اله، عليه سلم أنه قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه». ]البخاري برقم 9279[، وقوله شرفه اله، وكرم: «لا يوردن ممرض على مصح».

]البخاري برقم 9227[.

إن من علائم الصدق في النظر والتنزيل التي لا يخطئها المتكلم بعلم حق علم، إيكال الأمر في هذا الشأن العلم لمشيخة العلم التي تراعي ما تقتضيه أمانات الدين الملزمة من ضرورة ملاحظة الأحوال العامة بالحكمة فلا تفصل فيما يعرض لها بحسب ما تقتضيه النازلة من التدخل المراعي للمصالح المتعلقة بالفرد أو الأسرة، أو الأمة، أو مجال الإنسانية فتتبصر أولويات الناس من خلال ملاحظة مهماتهم ومصالحهم ومفاسدهم، وأصول اجتماعم، عملا بقول اله، تعالى الذي يعد أصلا في مراعاة الأحوال: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بماأنزل اله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةومنهاجا ولو شاء اله، لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكمفاستبقوا الخيرات إلى اله، مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ]المائدة: 84[.

ومن أمثلة ضرورة  مراعاة الحال التي ينبغي للمتفقه في الدين أن يجعلها بين عينيه ليقيس عليها أشباهها قول ابن رشد رحمه اله،: كان ابن شهاب ـ الزهري ـ إذا سئل يستفهم السائل ويطاوله، فإن ظهر له أنه لم يقتل يفتيه بأنه لا توبة له، وإن تعرف بأنه قتل أفتاه بأن التوبة تصح. ثم قال: وإنه لحسن من الفتوى، فهكذا ينبغي مراعاة الأحوال في تنزيل الأقوال، فإن من لم يقتل يجب التشديد عليه وسد الباب في وجهه، ومن قتل ينبغي ترغيبه في الرجوع إلى اله،. وفي مراعاة هذا الأصل والإقتداء بهذا الإمام فوائد كثيرة في الحث عل الخير، والكف عن الشر، والحكيم من ينزل الأشياء في منازلها، كانت أعمالاً أو كانت أقوالاً[1].

إن مما ينبغي أن يراعى مع الأحوال تقدير المآل الذي يعد عندمشيخة العلم المؤهلة للكلام في الشأن العام عنوان الفقه، وأساس الصدقفي إحسان تنزيل الأحكام: والمراد بالمآل، التحفظ من الاكتفاءباعتبار حال الفعل دون آجله بإجراء الأحكام على مقتضى ظاهرها دون لحاظ آثار الحكم في الآجل التي قد تكون على خلاف المقصود منها عند التطبيق.

وهو صنيع البصراء الجدراء بمشيخة العلم تأسيا بالنبي صلى اله، عليه وسلم الذي علم من منهجه في ترتيب الخيرات اعتبار المستقبل في تنزيل الحكم على الواقع، ومرن على اعتباره في مناسبات متعددة ليبين للفقيه ضرورة الاحتياط للمآل وعلاجه بما يحقق المصلحة المرجوة من إالاق الحكم. منها قوله لعائشة رضي اله، عنها: لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية، لهدمت الكعبة، وجعلت لها بابين[2].

فراعى صلى اله، عليه وسلم مصلحة تأليفهم على مصلحة إدخال ما خرج من البيت عن رسم قواعد إبراهيم عليه السلام.

وقد عد الإمام الشاابي رحمه اله، اعتبار المآل من مقاصدالشريعة عندما قال: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاكانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل منالأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أالق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ،فيكون هذا مانعا من إالاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أالق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إالاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد ،إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة[3].

ولو تبصر هولاء الأحداث المحُْدِِثون الأحوال واعتبروا ببعد نظرأصل المآل ما دعوا من تحتهم من الأغمار للخروج عن قرارات أمتهم، ولااستقبحوا إغلاق أماكن تعبداتهم الراجع مؤقتا إلى حماية أرواحهموأرواح أحبائهم وأقربائهم التي أعظم اله، من شأنها في قوله سبحانه:

“من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”. ]المائدة: 27[.

وكتب الدكتور إدريس ابن الضاوية


[1] تفسير ابن باديس 1/774

[2] الترمذي برقم 429

[3] الموافقات 9/122

error: Content is protected !!