في الحاجة الى الثورة الثقافية بأدوات النقد المركب ..

2020-12-24T13:02:14+01:00
2020-12-24T13:02:17+01:00
كتاب واراء
24 ديسمبر 2020
في الحاجة الى الثورة الثقافية بأدوات النقد المركب ..
رابط مختصر

ميدلت بريس.نت – بقلم سعيد العنزي تاشفين .

الثورة الثقافية منهجيا ، و في منطلقاتها و في أبعادها المختلفة ، تعني الرغبة في تحقيق قطيعة كاملة مع نسق من القيم و السلوكات و الإدراكات الموسومة بالبالية . فكلمة ” ثورة ” من فعل ثار يثور ؛ تعني تغييرا جذريا في المفاهيم و في المعاني و في الدلالات و في التجليات و الأبعاد و في الفهم و الإستيعاب و التفكيك و إعادة البناء .

إن عبارة ثورة اذن تختزن رغبة قوية في التمرد و الإنقلاب على الواقع القيمي و على المتاح اجتماعيا من ادراكات تمتح من الثرات و من المتوافق عليه من لدن جماعة بشرية على قاعدة المألوف و المعتاد ، من وجهة نظر أحادية فقط .

من ذلك يتضح إن اعتماد مفهوم الثورة الثقافية يعني الرغبة في التمرد شكلا و مضمونا على كل الأنساق الثقافية المؤطِّرة لمختلف ممارسات الفرد و المجتمع في إطار زمني و مكاني محدد . و الأهم هنا هو الإعتماد أساسا على رغبة قوية و مؤسّسة في التغيير الإيجابي لتجاوز السلبيات ثم معانقة الجديد و الحديث . و منه ؛ فالثورة الثقافية شكل من أشكال ” العصيان المدني ” الايجابي على كل أشكال الثقافة المجتمعية الموبوءة و المتجدرة باسم الدين ( قراءة خاصة للدين ؛ تأويلات فقهية محدودة بحدودة النسق السلطوي/ سلطة سياسية أو باطريريكية أو إيكلريكية ، و التقاليد و العادات و انماط السلوك ، أي طبائع العباد .

إنها ثورة على مختلف تجليات الثقافة الشعبية المجتمعية في كل أبعادها الأنثروبولوجية ، افرادا و جماعات ، و قد تصل الثورة الثقافية الى درجة الدعوة الى خلخلة دعائم الثقافة العالمة Savante التي قد تكون ِِرِجعية و نكوصية حسب طبيعة الأهواء السياسية المدعمة للإبداعات النظرية العالمة ذات وثيق الإرتباط بالنخبة وفق أجندة المتحكم في وسائل الإنتاج كبنية أفقية ، أي ثقافة عالمة متحكم فيها حسب موازين القوة .

و عليه فالثورة الثقافية عصيان ايجابي مقصود و دقيق على كل التراكمات الحاصلة بفعل تواطؤ ثقافة المهيمِن مع ثقافة المهيمَن عليه عبر تماهي بسيكو – اجتماعي للإنتاج و لإعادة الإنتاج الثقافي ، ثم سيادة شكل خاص من الثقافة و من السلوك الجمعي المتوافق مع رهانات الاستبداد و الانحطاط في كل أبعاد السلطة كمادة رمادية تحكم العقل الجمعي ، عبر ثقافة مضادة مسنودة بمخططات التخريب .

من مخرجات هكذا فهم ؛ إن الثورة الثقافية تروم خلخلة المسلّمات المجتمعية المشرعنة باسم الثقافة في بعديها الشعبي و العالم بإيعاز من السلطة الثقافية الرسمية التي تتدخل غالبا من أجل إخضاع الإدراكات المجتمعية لقرارات سلطة السياقات الرسمية التي تستفيد من نشر الجهل ، بكل أنواعه ، و ما ينتج عنه من تعابير عرجاء خدمة لرهانات دقيقة سياسيا و استراتيجيا .

إن الثقافة اذن لا تتجلى بمنأى عن التوازنات السلطوية المتحكِّمة في إنتاج القيم ، و الموجهة للسوق الثقافية لصالح سلطة الثقافة الرسمية التي تستفيد من الثقافة المجتمعية الموطدة عن قصد لا عن عفوية ، و السلطة الرسمية ليست فحسب سلطة الدولة ، بل يكون المجتمع احيانا صاحب سلطة أنكر و أمرُّ . و ماذا تكون التوازنات السلطوية سوى مختلف أنواع السلط المحتكرة من لدن المتحكم في توجيه البنية الفوقية ؛ فسلطة الدين و سلطة التاريخ و سلطة المال و سلطة الإعلام و سلطة المدرسة ، و مختلف وسائط التنشئة الاجتماعية ، بل و حتى سلطة الله وفق تأويلات دينية و تيولوجية محددة ؛ كلها سلطات توظف من أجل شرعنة نمط محدد من الثقافة التي تشرعن للسلطة المهيمنة ممارسات محددة ، و للمجتمع المتماهي ، سلطاته دون مخاطر ، و ب 《توافق》 من و مع الضمير الجمعي المنمِّط . يبدو لي إذن أن الثقافة في مستوياتها المتعددة ؛ ثقافة شعبية ( = أنثروبولوجية مثل الرقص و الأكل/ الثقافة الغذائية و اللباس و الوشم و الفولكلور و … ) ، و ثقافة عالمة ، مختلف انتاجات النخبة ، و ثقافة سياسية تدبر ممارسة السلطة .. كلها إذن نتيجة لمنهجية تدبير سلطة الهيمنة . و لهذا نجد المَنهج الماركسي يجعل الثقافة بنية فوقية ( مثل الدين و الفن و الإيديولوجيا .. ) تابعة حتما لتوازنات البنية التحتية و التي ليست سوى نمط الإنتاج على قاعدة وسائل الإنتاج و علاقات الإنتاج .

بمعنى إن الثقافة ليست سوى تجل مباشر لطبيعة العلائق الإقتصادية التحتية التي تجعل الثقافة إفرازا لها . و نجد في كتاب ” الايديولوجيا الألمانية ” مسوِّغات دقيقة لعلاقة الثقافة بالسلطة السياسية ، و بالإيديولوجيا . و بعيدا عن ماركس ، نجد ” تايلور ” يقدم تفكيكا فريدا للثقافة على ضوء سوسيولوجيا الثقافة ، غير بعيد من الأستاذ ” الطاهر لبيب ” الذي لا يتمرد على الفهم الطايلوري للثقافة في محتوياتها و في تجلياتها المتفرغة . أزعم إذن إن الثورة الثقافية تأتي ، عن قصد ، من أجل تفكيك عناصر الشبهة الثقافية الموطدة تحت تأثيرات الهيمنة و آليات اشتغال السلطة ، و كذلك من أجل تدمير علائق التبعية التي تجعل الفهم المجتمعي عبر الثقافة يتماهى مع التخلف و مع العاهات الايديولوجية و الفكرية و السياسية المتحكمة في إنتاج القيم البنيوية على قاعدة التراضي المتحكم فيه . و بذلك يبقى المجتمع في حركة معطوبة لا يتقدم أبدا ، بل أحيانا يعادي روح التاريخ لصالح الفهم الإرتكاسي عبر مواقف اللاتاريخ من التاريخ باسم وهم التفوق . في الحاجة الى الثورة الثقافية ؛ مدخل لنسف الثقافة المضادة •• منذ ما قبل الاستقلال النسبي ، و المغرب يشهد خرجات تدعو الى الإصلاح . و الملاحظ هو أن تلك الدعوات ولدت من رحم الصراع ضد الكولونيالية الفرنسية خصوصا . لذلك نجد رواد الحركة الوطنية إبان تلاثينيات القرن الماضي يطالبون بالإصلاحات ؛ سيما مع ميلاد ” كتلة العمل الوطني ” عام ١٩٣٣ ؛ و منذ تلك اللحظة و الحركة الإصلاحية معطوبة و دون سند شرعي مناسب لكونها تجل لرد الفعل المتأزم حيال تفوق الأخر المختلف بمقياس الرِّفعة التيولوجية المشرعنة للوهم الجمعي ب ” دار الإسلام ” . و الأهم ، أن كل المطالب الإصلاحية في تاريخ المغرب المعاصر و الراهن ولدت سياسية و ماتت سياسية لكونها ردود أفعال تفرزها الإخفاقات و النكبات في تجربة الذات . و لا جرم إن فكرة الاصلاح ظلت دائما سياسية تحت دواعي تبعية الثقافي للسياسي ؛ ببساطة ، لأن هيمنة السياسي كان بعلة الإختلاف حول طبيعة الدولة المنشودة ، و بذلك لم يكن الثقافي حاضرا البثة رغم أن خلفيات نخبة الحركة الإصلاحية كانت سلفية . و مع الإختلاف حول الأنمودج الدولتي المنشود ، اختلفت الدولة المستقلة بعد ١٩٥٦ مع رواد الأحزاب الوطنية حول كثير من النقاط في ماهية النمودج . و من نتائج ذلك أن بقي مطلب الإصلاح دائما سياسيا . و على عكس المدخل السياسي للإصلاح ، لم يكن المثقف يلعب أي دور ، اللهم المثقف السياسي الذي كان ينظِّر من داخل السياجات الحزبية الضيقة بأفق سياسي ينهل من عمق ايديولوجي واحد و أحادي . و لهذا نجد المثقف المغربي يفكر من داخل جبة الحزبي عبر ثورة فارغة من أية نزعة تحررية ثقافيا . و حتى كبار الباحثين من طينة عبد الله العروي و محمد عابد الجابري و محمد جسوس .. لم يكونوا سوى من مثقفي حزب الحركة الوطنية الذي كان يمثله حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، الإبن العاق للحزب الوطني للقوات الشعبية الذي عجز عن القفز على نمطيات الأسطورة المؤسسة باسم ” فلسفة ” علال الفاسي . و غير بعيد منهم كان المثقف ” الإستقلالي ” ( نسبة الى حزب الاستقلال ) يفكر بدوره من داخل سياجات التنظير الإيديولوجي للوحدة و التعادلية عبر تأويل قومي / ديني محافظ للوجود و للتاريخ . فمن كان يتحكم في إنتاج التحليل سواء من داخل الفضاء الجامعي ، أو حتى عبر إبداعات الثقافة العالمة ؛ سوى هذا الصنف من المثقف المتحزب الذي عمل على انتزاع سلطة الثقافة من الدولة و من احتكارها لها لصالح حزب الدولة من خارج الدولة و بانزياح غريب و سوريالي على شظايا ثقافة الأرض الأصيلة . إنها اذن ولادة مشبوهة لسلطة الثقافة التي فقدت عذريتها تحت طائلة الإعتداء عليها بأسلحة التماهي الوجداني مع خطابات الأمة العربية ، أولا من لدن الفاعل الدولتي ، و ثانيا من قِبل أحزاب الحركة الوطنية التي تعادي احتكار الثقافة من جهة الدولة ، لكنها انتهت بنفسها إلى إعادة إنتاج الإحتكار عبر مشروعية الحركة الوطنية التي شرعنت الاستبداد في إنتاج القيم و في خوصصة الهوية الوطنية باسم النضال ضد الكولونيالية ، متناسية أن الحركة الوطنية ولدت على أشلاء النضال الحقيقي الذي تزعمته المقاومة المسلحة في البراري و الجبال ، قبل أن تطالب الحركة الوطنية بالإصلاحات في كنف الاحتلال بشكل مثير للإستهزاء ، و عبر فهم مديني متبرجز . و يبدو ، بناء على كل ما سلف ، أن الثورة الثقافية تبقى الإرادة المؤسسة للإنعتاق و التحرر على أنقاض الهيمنة البئيسة للسياسة وفق نمودج يعقوبي دولتيا و حزبيا . إن الإقتناع بالثورة الثقافية كمدخل للإصلاح يندرج ضمن الرغبة في التغيير من خلال استئصال مرن لكل مبررات الإستبداد الممارس عبر المشروعية التي تمنحها 《السيادة الشعبية》لمن يمارس السلطة سياسيا أو ثقافيا عبر ممارسة الدولة و الأحزاب معا للسياسة كتجل للمشروعية الوجودية في سياق ضحد أطروحة الكولونيالية التي حاولت ممارسة المسح الهوياتي لشرعنة التحكم . و أعتبر أن الثورة الثقافية ترنو تكسير قيود السياسة التي خبرت ” فنون ” استعباد الثقافة المتحررة بسلطة العقل عبر شرعنة التخلف و الإستبداد بمنطق السلطة التي تحتكرها السياسة ، رغم أن مشروعية الثقافي هنا أكبر من مشروعية السياسي لكون الثقافي أصيل و السياسي عابر للسلطة الزمنية . و استنتج أنه إذا كانت السياسة تاريخيا تحقق مراميها و أهدافها عبر تسخير الثقافة بنمطية محددة ، فإن الثورة الثقافية تروم تدمير السياجات الدوغمائية للسياسة عبر الصراع الثقافي في حلبة العقل ، أي تطهير السياسة من مدخل الثورة الثقافية عبر تعديل منهجية اشتغال العقليات في اتجاه توطيد فهم تاريخاني للتاريخ . إن الثورة الثقافية منهجيا إذن تنطلق من معادلة أزمة دولة و أزمة مجتمع و أزمة الفرد و أزمة نخب في إنتاج الزيف و التحريف الممنهج ، و في التماهي مع الإستبداد الذي يمارس ، ليس فقط باسم السياسة كتجل لعلاقات الإنتاج السائدة ، بل عبر مختلف النزْعات الأصولية ، باسم القبيلة / المجال / العرق / الجندر .. ، التي ترفض الاستبداد الممارس من لدن الدولة كنسق سلطوي مشروع بشرعية التعاقد ، لكنها تمارس استبدادا من نوع أخر على شكيبة الإستبداد الناعم . إنه الإستبداد الإجتماعي و الثقافي و الهوياتي و الديني … ، و حتى ذلك الإستبداد الذي يعتمد على فهم باطرياركي يمارس باسم الفحولة و باسم القبيلة و باسم العشيرة و باسم المجال و باسم العرق و باسم اللون و باسم الجاه ، بل و حتى باسم احتكار الله عبر الجهل المقدس الذي يمتح من قراءات مؤدلجة للنص الميتي على المستوين التاريخي / الحضاري و الأيديولوجي / السلطوي . و العودة الى كتابات المدرسة الإنقسامية مع ” ميشوبلير ” و ” دافيد هارد ” و ” بيتيرشارد ” و ” جاك بيرك ” و من داخل السوسيولوجيا الكولونيالية يفيد في موضوع الإستبداد الممارس على خلفية التضامن العضوي ثم التضامن الآلي في أجرأة العلائق الإجتماعية التي تبدو أكثر تناقضا على مستوى الميكرو – سوسيولوجيا . و حتى أن جون واتربوري في كتابه ” أمير المومنين الملكية و النخبة السياسية في المغرب ” يقدم أمثلة للإستبداد الإجتماعي باسم المجال و باسم النسب و باسم الزواج و المصاهرة ، و بأمثلة من عمق الممارسة الاجتماعية و السياسية مغربيا و بإحصاءات صادقة خلال زمن الإنفجار السياسي في زمن المغرب فجر ستينيات القرن الماضي .

إن الثورة الثقافية تأتي كرد فعل متوقع إزاء خيبة أمل المثقف العضوي من النكسات التي حالت دون معانقة الحداثة كأفق تاريخاني . فكل الفاعلين انتهت محاولاتهم بالفشل كسلفية و كقومية و كيسار و كيمين ليبرالي . فالدولة يضبطها منطق التردد حيال فعل الحداثة ؛ لذلك تظهر في تجربتها حداثية ضد الأصوليين ، ثم تتحول الى أصولية ضد الحداثيين ، و هنا تكون ” الحداثة ” سلاحا لتوطيد أسس الأصولية الجوانية عبر الحداثة البرانية . مثلما يكون اليساريون ” حداثيين ” بجرأة في موقفهم من الدين و من استبداد الدولة ، ثم ينتهون أصوليين باسم النقابة و باسم حقوق الإنسان و باسم تخوين المختلف ؛ فيحتجون على الإستبداد الممارس من قبل بعض مؤسسات الدولة ، لكنهم يهتفون للزعيم النقابي الذي عمر لعقود ، و يجددون الولاء بالزغاريد و الهُتاف بمنطق ” الشيخ و المريد ( مفهوم مستعار من الانثروبولوجي عبد الله حمودي ) و يخوِّنون بكل بساطة من يخالفهم الرأي .

أما اليمين فطالما يتشدق بالحريات الجماعية و الفردية أكثر ، فتجده يسوِّق لخطاباته بمنطق ليبرالي شكلا ، مع العجز عن إعطاء موقف من أصولية الدولة في تدبير السوق الثقافية و المنافسة السياسية لاقتسام السلطة ، دعم الأضرحة و الزوايا و مختلف أنماط الفهم القروسطي للمقدس ، في حين تظهر الجرأة لحظة التعبير عن الموقف من أصولية الاسلاميين ؛ إنها ايضا مواقف ليبرالية شكلا و أصولية جوهرا . و يبق الاسلام السياسي نمودجا حيا للتناقض نفسه ؛ إذ تجدهم دون مرجعية فكرية واضحة ؛ ينتقدون الغرب و يتدربون على يديه لاستلام السلطة بتوافق مع الدولة في لحظات دقيقة من تجربة الأمة ، و لذلك تجد الإسلامي يعلن العداء لكل فكرة تفوح منها نكهة الاشتراكية ، ثم لا يتوانون في التطبيل و التزمير لكل ممارسة ليبرالوية تسوِّق للخوصصة ، و لذلك نجد الإسلاميين يستثمرون في المدارس و في المستشفيات الخاصة ، و لا ضير و لا خجل . إننا أمام أصولية ليبرالية في العمق ، و أصولية دينية شكلا ؛ و تتمظهر السكيزوفرينيا هذه عبر تكتيك التقية هنا أو من خلال التواطؤ مع ” الطاغوت ” ضد الدولة . و تبقى الحركة الأمازيغية بدورها معطوبة ؛ إذ تظهر الممارسة و المواقف سياسية في البناء ، ثم تعتمد الثقافي في نسف السياسي ، أي ممارسة السياسة من موقع اللاسياسة من مدخل الثقافوي . فأية علاقة بين الموقف من قرارات الحكومة ، و رفض ممارسة السياسة !! و تبدو لك الجرأة واضحة في الدين و في التسويق للعلمانية بوضوح ، ثم تظهر لك مفاهم الإنتماء للمجال و للعرق و للتاريخ بمنطق قومي جديد يعادي فكرة التاريخانية و وحدة المصير الإنساني في العمق لصالح شكلانية ذات بريق على حساب دمقرطة الفهم السوسيولوجي للثقافة . إنها حركة تحررية شكلا و أصولية من حيث الإيمان النفسي بوحدة المجال الثقافوي دون مراعاة للعوائق السياسية و لأهمية التناقضات البنيوية و كاننا أمام طموح جديد ل ” الخلافة ” على منوال شيشونغ بدل عمر ابن الخطاب . فالإسلامي يؤمن بدولة الخلافة التي تمتد من المحيط الى المحيط ( من طنجة الى جاكارتا !! ) ، إنه تأمل في الوحدة السياسية عبر الحنين الأخلاقوي إلى دولة الخلافة ، و الأمازيغي يؤمن بشمال افريقيا ( تمازغا ) عبر رومانسي للتاريخ ؛ تأمل لصالح الوحدة السياسية عبر هوس الوهم الهوياتي من مدخل الثقافوي ، الحنين الى العصر الذهبي ” كوتييه ” ، في حين تموت الأمازيغية يوما عن يوم باسم ايديولوجيا المسح الهوياتي بسلاح التعريب و تحت وطأة التمدين المرادف للتعريب . فالاسلامي يعيش على أمل العصر الذهبي ؛ الرغبة الدفينة في إحياء عهد الصحابة و عدل عمر بن عبد العزيز ( العدل المفقود ) ، و الأمازيغي يعيش على أمل العصر الذهبي ؛ الرغبة الدفينة في إحياء الوحدة الهوياتية عبر الرغبة البسيكولوجية المفقودة في إحياء الهوية السياسية للملك ” شيوشونغ ” و ماسينيسا ” ، و اليساري يظل يحلم بالفردوس البروليتاري الذي يجعل العمال رؤساء للحزب الجماهيري وفق طوبى المناضل الرفيق . إننا اذن أمام حركات تنتعش باسم المشروعية التاريخية في كنف واقع يزوِّر التاريخ بسلطة السياسة . و أبلغ بعدها إلى أن محراب التاريخ يشكل آلية سيكولوجية تعويضية و حنينا رومانسيا على أشلاء روح التاريخ الخاضع للدينامية و التغير . و ماذا تكون هذه الروح سوى الإيمان بالتغير و التطور و الحركية و دينامية التاريخ على قاعدة الدياليكتيك و منطق التراكم عبر الإنتماء للمدنية الإنسانية ؛ إنها التاريخانية بشكل مباشر . إن الأصوليات إذن تحاول تغيير التاريخ عبر البقاء أسيرة للتاريخ نفسه دون الإنتباه إلى هذا التناقض المستتر و المضمر ؛ و في هذا التدليس التاريخي تلتقي كل الأصوليات بما فيها التي تمارسها الدولة . و حسبي أن ” بول فاليري ” كان صادقا عندما قال إن التاريخ أخطر منتوج أعدته كمياء العقل البشري . في ماهية الثورة الثقافية .. أخلص ، بعد كل هذا ، إلى أن الثورة الثقافية التي نحتاجها تأتي كثورة ناعمة ضدا و على نقيض كل الأصوليات التي تعيد إنتاج الإستبداد ( استبداد الدولة / استبداد الحركة الوطنية / استبداد باسم الدين = احتكار الله / استبداد هوياتي باسم القبيلة و العشيرة و الإنتماء الى الأرض / استبداد باسم احتكار المشروعية النضالية = اليسار و السعي الى احتكار البطولة / استبداد الرجل باسم الفهم البطرياركي للأسرة / استبداد المرأة باسم النزعة النسائية المشرعنة للسخرة الاقتصادية خدمة للباطرونا التابعة للميتروبول الرأسمالي … ) . و يبقى الهدف المنهجي الأول للثورة الثقافية هو إعلان فك الارتباط مع كل الأصوليات ، لصالح تغيير العقليات نحو مجتمع العقلانية القادر على حسن تمثل الديموقراطية بعيدا عن الجهل المقدس باسم الدين و احتكار الله ، أو باسم الهوية على أساس الجنس الأري بنكهة العروبة أو الأمازيغية أو اللون أو الجنس / الجندر .. على حساب الحق في المساواة بمعيار أدمية الانسان . و بعيدا كذلك عن الجهل المؤسّس الذي تمارسه السلطة المحتكرة عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية على أشلاء حقوق الإنسان و المواطنة العادلة و المنصفة . و ختاما إن مشروعية الثورة الثقافية تظهر في ضرورة نسف كل الأصوليات الإرتكاسية و دعم التأويل العقلاني للوجود / التاريخ من مدخل الإعتراف برجحان العقل .

error: Content is protected !!