من سلطة الميتافيزيقا إلى ميتافيزيقا السلطة ، دينامية على درب تكسير الأصنام ..

2021-05-22T01:36:04+01:00
2021-05-22T01:57:49+01:00
كتاب واراء
22 مايو 2021
من سلطة الميتافيزيقا إلى ميتافيزيقا السلطة ، دينامية على درب تكسير الأصنام ..
رابط مختصر

ميدلت بريس.نت- قلم ذ. سعيد العنزي

تبين مختلف التأويلات حول الحداثة أن إيمانويل كانط شكل مرآتها دون منافس . و تاريخيا تأكد أن التراكم من أجل استنبات الحداثة كانت بدايته منذ ميلاد ” مقال في المنهج ” الذي دافع بصاحبه بقوة إلى بناء معنى متجدد للوجود على أساس الفكر بدل الإيمان . و لأن البنية الفيودالية كانت تمنع الفكر بالحديد و النار طيلة الأزمنة القروسطية الذي تحالفت فيه السلطة الزمنية بالسلطة المكانية لإجهاض كل محاولات التحرر التي كانت ارهاصاتها تظهر بأشكال محتشمة قبل ديكارت بقرنين على أقل تقدير ، فإن ربط الوجود بالتفكير عبر نظيمة الكوجيطو كان إشارة تصدح فلسفيا بأن عهدا جديدا قد حل و أخذ العزم على الإنبثاق و التشكل . و من ” أنا أفكر أنا موجود ” ، إلى رفع الوصاية على العقل من خلال الثورة الفكرية على كل أشكال الوصاية على الفرد ؛ بدأت مرحلة جديدة من تاريخ العقل الذي رسم طريقه كانط عبر التوفيق بين التفسير الميكانكي للطبيعة و التفسير الغائي ، حيث كان يؤول نظام الكون بمنطق الغائية . و ما يهمني هنا هو أن ميلاد سؤال ما الأنوار لم يكن سهلا البثة بحيث نجح كانط في تفجير المعاني و الدلالات و تبسيط التأويل لصالح النقد القوي الطقوس و المؤسسات ، لما كان يتميز به السياق العام من حجْر مطلق على العقل و من تمويت ممنهج لقدرة العقل على تجاوز سياجات الكهنوت . لذلك ولد سؤال معنى الأنوار من بين متاريس التخلف ليوجه التفكير نحو اشراقات العقل بدل القبول بمتاهات التاريخ القدري الذي شرعنت به السلطة الدينية الفساد و التحكم على شكيلة محاكم التفتيش التي حاصرت الفكر الحر و بلغت من عنفها درجة احراق جيوردانو برونو حيا و محاكمة كاليلو و مضايقة المفكرين . فكانط إذن كان جريئا منهجيا لكونه جعل تحرير العقل منطلقا اجرائيا للحسم مع التأويلات التيولوجية المنحرفة عن قصد خدمة لهيمنة الجهل المقدس الذي شكل أهم مصوغات العنف الكهنوتي ضد الحرية في الفكر و التعبير طيلة عصور الإقطاع . و لذلك نجد ميشل فوكو ، على غرار هايدغر ” يعتبر كانط عتبة الحداثة و هو ما توافق عليه الكثيرون . إنه المفكر الذي سيجعل الفلسفة تنزل من ضبابية السماء نحو جدلية الأرض لتعانق تناقضات اليومي و تبحث لها عن حلول و مخرجات خدمو لدولة المواطنة التي تجلّت مع فلاسفة الأنوار . بمعنى أنه سيجعل الفلسفة تهتم بالإنسان في بعديه التجريبي و المتعالي ، و هي القسمة التي لم تكن ضيزى لأن كانط أسس لها بوضوح و جرأة كبيرين بما مهد لظهور النيو – إنسان كموضوع على سطح المعرفة . و لأهمية النص الكانطي المؤسِّس الشهير الذي جعل الثورة العقلانية على الوصاية مدخلا أوليا ملزِما من أجل إرباك حسابات العنف المقدس الذي انخرط في شرعنة هوس الجهل المقدس في اتجاه تنصيب العقل رسولا للمرحلة على نقيض ظلامية العصر الأمريكي الوسيط . و نجد فوكو يعترف أن النص الكانطي المؤسِّس يكتسي أهمية مزدوجة ؛ أولا فهو يتناول الحدث التاريخي محاولا فهم قيمته و تأثيره على الأحداث اللاحقه له ، و ثانيا لكون النص يؤسس لأنطولوجيا الحاضر و ما بعده عبر التعقيد لعلاقة جديدة مع الزمان / التاريخ بعيدا عن المحددات الغائبة ذات المنحى التيوقراطي . بمعنى أنه سؤال يعيد تأويل فكرة الزمن بعيدا على رتابة الفهم بمنطق قدري ثابت كما كانت الكنيسة تفعل طيلة عشرة قرون لصالح أنظمة التحكم الإرتكاسي .

إن كانط منهجيا كان يحاول استبانة تميز العصر الراهن عمّا سبقه من عصور بما يجعله يتخذ من راهنية الزمان / التاريخ موضوعا للتفكير الفلسفي و كأنه كان مكتشف فترة التاريخ قبل كانط رغم الإختلافات على مستوى البرهنة و الإستدلال . إنه في عدة سياقات كان يؤسس للإصلاح الفكري و الثقافي و تمكين جمهور المواطنين من حقهم من الحرية في التفكير بتلقائية من خلال الأعراف للفرد بالقدرة على التشكل كشخص اعتباري قائم و مستقل . و يعترف ميشل فوكو صاحب الأركيولوجيا المعرفية أن فكر كانط أرخى ضلاله على القرن 19 تحديدا و على الفلسفة الحديثة عموما . و أمام قوة ما جاء به نص التنوير من رجحان مصداقية العقل على حساب التفسيرات الكاثوليكية للتاريخ ، كان كانط عتبة الحداثة سواء من المنظور الأنتروبولوجي أو من المنظور الأركيولوجي أو من حيث عقلنة علم التاريخ . و لقد صدق فوكو عندما اعترف أن كل مسارات الحداثة و روافدها تلتقي عند كانط الذي حرك بركة التاريخ الآسنة و جديد الروح في جسد الزمن المتهالك و الذي أنتج جسدا حضاريا منخورا .

إن رفع الوصاية كأداة إجرائية كانت و لا تزال كفيلة بالإنتقال من مختلف التأويلات ” المقدسة ” عن الوجود و الإنسان / التاريخ ، نحو علمنة الفهم لصالح تأويلات جديدة لا تراهن قدر البشر بمتاهات الميتافيزيقا كما حددتها السلطة الكنسية المستبدة على أنقاض العقل طيلة عصور الإنحطاط لدواعي فيودالية بئيسة . فالإعتراف للإنسان بالحق في التفكير دون أية رقابات سابقة تمتح من احتكار شرعية السماء أو تنهل من الإستفراد بوسائل الإنتاج ضمن نمط إنتاج فيودالي مؤسس على جحيم السخرة لم يعد مقبولا أمام ما حضي به العقل و التاريخ و الإنسان من شرعيات جديدة على قاعدة براديغم المواطنة بمضامين جديدة للسلطة و تدبيرها ؛ ثم الوجود في عموميته و ما يكتسيه من أهمية كعنوان لعهد جديد فهما و تفسيرا و تأويلا و إدراكا . و مهما ركز ميشل فوكو حفرياته باتباع مسالك التنقيب التي حددها كانط ، فهيغل لم يبتعد قيد أنملة بحيث يعتبر أن ماهية العالم الحديث تتركز في فكر كانط الذي هو بؤرة العالم الحديث التي تنعكس على كل المستويات بما يثبت فكرة كون كانط مرآة الحداثة و مصمم مضمونها . و اعتبر أن براديغم الحداثة وفق المنظار الكانطي ينطلق من العقل النقدي الذي نصبه صاحبه محكمة عليا يتعين أن يخضع لحكمها و قرارها كل شيء ، و لا صلاحية لأية أحكام تتخذ خارج مشروعيتها بما يرضي الفرد الحر المسؤول و المنفلت من دوغمائيات الغائبة التي كانت تزكي عنف السلطة . و عبر الذاتية المجردة كما قعد لها الكوجيطو الديكارتي و الوعي المطلق بالذات كما عند كانط ؛ تتحقق مشروعية العقل النقدي المؤسس لحقبة الأزمنة الحديثة و قوامها الحداثة من خلال لبنات العقلانية و الحرية و المسؤولية و العلمانية التي تحسم منهجيا حدود الدنيا عن الأخرة . و ليتيبن لنا كيف كان كانط دقيقا جدا في استعمال أدوات تشريح حادة في تناول جسد العقل و التاريخ / الحضارة ، و قدرته على استبدال المفهوم الجوهري الموحد للعقل كمفهوم متوارث عن الثرات الميتافيزيقي القديم ، نحو الفصل المنهجي بين ملكات تلاث ؛ أي بين العقل العملي ، و الحكم الجمالي ، و المعرفة النظرية ، و بذلك يتشكل العقل النقدي على قاعدة المعرفة النظرية و الحكم الأخلاقي و التقييم الجمالي . و من معيارية العقل نحو شرعيته تتحقق قدرة العقل النقدي على لعب دور الحكم أو القاضي الأعلى تجاه كل مكونات الثقافة مرورا بالعقل العملي الذي يرسم حدود دوائر الثقافة برمتها كالعلم و التقنية و القانون و الاخلاق و الفن و النقد الجمالي .. وفق معايير صورية بما ينتهي بتمايزات ابستيمولوجية و فلسفية بين الأنشطة المعرفية على أرضية دينامية مستمرة تشكلت بوضوح من خلال استقلال دائرة المعرفة عن دائرة الإعتقاد .

و من إيمانويل كانط المؤسِّس لعهد جديد إلى الكانطيين الجدد كما عند ” لوك فيري ” تستمر راهنية الفكر الحديث في إسهامين رئيسيين و هما العلمانية الفلسفية و مسألة الذاتية . إنها دينامية فكر ” يساري ” وضع حجره الأساس كانط ، ثم عرج على إسهامات ما قبله و ما بعده من ديكارت نحو سبينوزا و ليبنتز حيث يوجد المطلق أولا ثم يظهر الإنسان . لكن هذه المرة لا ككائن محدودٍ ، و متناهٍ ، و ناقصٍ ، و عاجزٍ ، و جاهلٍ ، و حساسٍ ، بما يحبسه في جحر الموت و الخطيئة ، بل نحو إنسان جديد متحرر من هوس السياجات متجها نحو اجرأة عقله النقدي عمليا بما يقوي قناعة تخليص التاريخ من هوي العقيدة و ممارسة التفكيك حتى تستقل الأرض عن السماء كمدخل معرفي إبيستيمولوجي للزمن الحديث .

و أزعم أن الحداثة مع كانط تجلّت في الرغبة القوية في الإنفلات النهائي من كل الإيحاءات المعيارية لنمادج الماضي ، نحو استمداد الإنسان معياريته و ضماناته الخاصة من ذاته باعتباره ذاتا مرة مستقلة لها كينونة متفاعلة مع التاريخ ، و ليس مع الزمن ، باعتبار التاريخ فحوى ذاتانية متشكلة من الإنسان الذي هو مقياس كل شيء .

إن كانط ، نافلة للكلام ، صحّح تناقضات العقل ، و رمّم كل الخدوش التي نالت من أدمية الإنسان ، و أعاد الإستقلالية للعقل من خلال الحسم مع توريط العالم العلوي في مفارقات العالم السفلي . و بذلك تطلب تنزيل رفع الوصاية كتعريف كانطي للأنوار التقعيد للعقل النقدي و للعقل العملي و لنقد ملكة الحكم ؛ تارة بتحليل أداتي منهجي جدلي ، و تارة بتأويلات متعالية معيارية ، و كأن كانط يبحث عن الإنسان الأعلى قبل أن يجده نيتشه في منعطف فاصل بين الحداثة و ما بعدها في استضمار جواني لأخلاق السادة المتحررة من أخلاق العبيد التي قضت مضجع نيتشه صاحب المنهج الجينيالوجي المتسلح بالمطرقة لكسر الأصنام .

و على أية حال استنتاجا لقد نجح كانط في عقلنة التاريخ كمدخل للحداثة ، في حين فشلنا في فهم الحداثة رغم كل المحاولات التي ولدت منذ لحظة الصدمة الأولى عام 1844 مع هزيمة إسلي النكراء . و لذلك ظلت القبيلة و العشيرة و العائلة بتأويلات فيودالية مُضمرة في الذات المغربية الجمعية وهما جماعيا يلازم حتى النخب التي تتبجح بالإنتماءات القبلية في معرض بحثها عن الشرعية التي هي صنم جديد مستديم ضمن نسقية وهم التفوق من صلب ما أسميه بميتافيزيقا التاريخ . و لا تزال حجية العقل عندنا ، الهنا و الأن ، دون الطموح الكانطي في بنيات عقلانية تتجاوز حدود تحديث التقليد كمخطط ذكي لتيسيير سيولة الثابت كنقيض تاريخاني للمتغير ، شجاعُُ و متهورُُ يعانق التحديث لعرقلة الحداثة عبر دعم البراني لمحاصرة الجواني ، بما يجعل التقدم الحاصل في الأزمنة الراهنة مجرد بريق خادع ؛ و طبعا ليس كل ما يلمع ذهبا ، و هو ما يتطلب بعث الروح في السؤال الكانطي من جديد .

إننا نحتاج بشكل ملح إلى بعث الروح في العقل الكانطي في بعده النقدي العملي وصولا إلى حُسن تأويل هيغل في نظيمة الفكرة المطلقة و فهم تمرين التاريخ بعد هضم تمرد باروخ سبينوزا الذي خرّب زيف الضباب و عقلن الشك في الأساطير المؤسِّسة ، إلى نيتشه و ضرورة استيعاب أهمية المنهج الجينيالوجي في تخليص التاريخ / الأخلاق / الغائية من الطابع السحري المشرِعن للوهم الذي يلطخ عقل القطيع / أخلاق العبيد و ينتصر للميتافيزيقا عبر تبخيس الوجود ، نحو فوكو و لزومية تفكيك جسد السلطة / التاريخ / الجنون / التنشئة الإجتماعية لصالح النقد المربك لهدوء المؤسسات في اتجاه تحرير السلطة من أثقال التاريخ . و كل هذا ينبغي في نظري أن يتحقق ضمن براديغم عام أساسه الإنتقال التاريخاني من سلطة الغائية الميتافيزيقية نحو حرية إبيستيمولوجية الأنوار .

error: Content is protected !!